الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
66
مختصر الامثل
وسوف لا يكتفون بذلك بل سيحتلّون جميع بلادكم ويدمّرونها عن آخرها : « وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا » . وفي هذه الحالة فإنّ أبواب التوبة الإلهية مفتوحة : « عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ » . « وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا » . أي : إن عدتم لنا بالتوبة فسوف نعود عليكم بالرحمة ، وإن عدتم للإفساد عدنا عليكم بالعقوبة . وإذا كان هذا جزاؤكم في الدنيا ففي الآخرة مصيركم جهنم : « وجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا » « 1 » . الإفسادان التأريخيان لبني إسرائيل : تحدثت الآيات أعلاه عن فسادين اجتماعيين كبيرين لبني إسرائيل ، يقود كل منهما إلى الطغيان والعلو ، وقد لاحظنا أنّ اللَّه سلّط على بني إسرائيل عقب كل فساد ، رجالًا أشدّاءً شُجعاناً يذيقونهم جزاء فسادهم وعلوّهم وطغيانهم ، هذا مع استثناء الجزاء الأخروي الذي أعدّه اللَّه لهم . يستفاد من تاريخ بني إسرائيل بأنّ أوّل من هجم على بيت المقدس وخرّبه هو ملك بابل « نبوخذ نصر » حيث بقي الخراب ضارباً فيه لسبعين عاماً ، إلى أنّ نهض اليهود بعد ذلك لإعماره وبنائه ، أمّا الهجوم الثاني الذي تعرّض له ، فقد كان من قبل قيصر الروم « أسييانوس » الذي أمر وزيره « طرطوز » بتخريب بيت المقدس وقتل بني إسرائيل . وقد تمّ ذلك في حدود مائة سنة قبل الميلاد . وبذلك يحتمل أن تكون الحادثتان اللتان أشارت إليهما الآيات أعلاه هما نفس حادثتي « نبوخذ نصر » و « أسييانوس » . إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ( 10 ) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ( 11 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ( 12 )
--> ( 1 ) « حصير » : مشتقة من « حصر » بمعنى الحبس ، وكل شيء ليس له منفذ للخروج يطلق عليه اسم « حصير » ويقال للحصير العادية حصيراً لأنّ خيوطها وموادها نسجت إلى بعضها البعض .